عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي

28

نزهة المجالس ومنتخب النفائس

في منامي حوراء لم أر أحسن منها فقلت لمن أنت ؟ فقالت لمن لا يشرب الماء البارد فأخذت الكوز وضربت به الأرض . ( حكاية ) قال مالك بن دينار رضي اللّه عنه : رأيت في أزقة البصرة جارية معها الخدام فقلت لها أيبيعك مولاك فقالت لي لو باعني ما تصلح أن تشتريني فقلت نعم وخيرا منك فضحكت وأمرت بحملي إلى سيدها فوقعت الهيبة في قلب سيدها فقال : ما حاجتك ؟ قلت تبيعني هذه الجارية قال أو تقدر على ثمنها قلت قيمتها عندي نواتان مسوستان لكثرة عيوبها لأنها إذا لم تتعطر دفرت وإذا لم تستك بخرت وإذا لم تتمشط وتدهن قملت وإن عمرت هرمت ذات حيض ونجاسة وأنا أشتري من اللّه تعالى جارية بدون ذلك خلقها اللّه من سلالة الكافور ومن المسك والنور والجوهر لو مزج ريقها بالبحر لطاب ماؤه ولو دعت ميتا لأجاب ولو بدا معصمها للشمس لأظلمت ولو بدت في الظلمات لأنارت ولو واجهت الآفاق بحليها وحللها لتعطرت نشأت من بين رياض المسك والزعفران وقضبان الياقوت والمرجان وقصرت في خيام النعيم لا تخلف عهدها ولا يتبدل ودها فأيهما أحق بالثمن ؟ قال الذي وصفت ما ثمنها ؟ قلت : أن تركع ركعتين في الليل وتترك شهوة للّه تعالى فالتفت إليها وقال : يا جارية أنت حرة لوجه اللّه تعالى وقال لعبيده مثل ذلك وتصدق بجميع ماله ونزع ثيابه وأخذ له سترا غليظا واتزر به فقالت الجارية : لا أعيش بعدك فنزعت ثيابها ولبست عباء وخرجا إلى عبادة اللّه تعالى رضي اللّه عنهما . ( موعظة ) : قال عيسى عليه السلام : مثل الدنيا كمثل رجل يسير في مفازة فإذا أسد هائج فنظر وراءه فإذا الأسد يريده ونظر أمامه فإذا المفازة ليس فيها ملجأ فلما أدركه الأسد رأى بئرا فطرح نفسه فيه فتعلق بشجرة فوقف الأسد فوق الجب فنظر إلى أسفل الجب فرأى ثعبانا فيقول في نفسه الأسد فوقي والثعبان تحتي ولكن أنظر إلى الشجرة هل لها أصل أتمسك به فإذا أصلها متعلق بغصنين وإذا بفأرة سوداء وفأرة بيضاء تقطعان العرقين فلا يزال متفكرا فيم هو فيه إذ نظر إلى غصن من أغصان الشجرة عليه ثمرة فيتناول منها فلا يشعر بشيء حتى تقطع الفأرتان عرق الشجرة فيهلك ، فهذا مثل لطالب الدنيا ، أما الأسد فملك الموت ، وأما الشجرة فأجله ، وأما الفأرتان فالليل والنهار يقطعان أجله ، وأما الجب فهو القبر ، وأما الثعبان فالنار ، وأما الثمرة فحطام الدنيا . وكان عيسى عليه السلام يلبس الشعر ويتوسد الحجر ويأكل الشعير ويقول : سراجي القمر وطعامي نبات الأرض ودابتي رجلاي فهل اغتني مثلي ؟ وأمه مريم رضي اللّه عنها كانت زاهدة عابدة وأخوها هارون رضي اللّه عنه قال الكلبي كان أخاها من أبيها فلما مات تبع جنازته ألف رجل كلهم اسمهم هارون وكانوا يكثرون التسمية باسم هارون أخي موسى عليهما الصلاة والسلام وقيل كانت من ذريته وكان بينها وبينه ألف سنة وقيل شبهوها برجل صالح في زمانها اسمه هارون . ( حكاية ) قال في الإحياء : اشتد الرعد والبرق والمطر على عهد عيسى عليه السلام فطلب